علي بن أحمد المهائمي

652

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

[ وهنا سرّ كبير ، فإنّه أجاب بالفعل لمن سأل عن الحدّ الذّاتي ، فجعل الحدّ الذّاتي عين إضافته إلى ما ظهر به من صور العالم ، أو إلى ما ظهر فيه من صور العالم ؛ فكأنّه قال له في جواب قوله : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] ، قال الّذي يظهر فيه صور العالمين من علو وهو السماء وسفل وهو الأرض إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [ الشعراء : 24 ] أو يظهر هو بها ، فلمّا قال فرعون لأصحابه : إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [ القلم : 51 ] كما قلنا في معنى كونه مجنونا ] . ثم قال : ( وهنا ) أي : في جواب موسى ( سر كبير ) من علم الحقائق ، وهو أنه أشار إلى أنه لا يمكن تعريفه بحسب الذات ، وإنما هو بسبب ظهوره في العالم ، وهو اسمه الظاهر باعتبار ، أو بحسب ظهور العالم فيه ، وهو اسمه الباطن باعتبار ، أو بالجمع بينهما مع الإشارة إلى أنه لا يتقيد بذلك الجمع ولا بالانفراد ، لكن غايته التقييد بلا تقيد ، وهو مطلق عن كل قيد بهذا الاعتبار ، وإن تقيد بفصله المميز ، وبالوجوب والقدم الذاتيين باعتبار ذاته ، فإنه حين قال في جواب قوله : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] ، قال : رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [ الدخان : 7 ] ، قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ [ الشعراء : 25 ] ، قال : رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [ الدخان : 8 ] ، قال : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [ الشعراء : 27 ] ، قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [ الشعراء : 28 ] قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [ الشعراء : 29 ] . ( أجاب بالفعل ) بأن الربوبية فعل التربية ، وهي نسبة بينه وبين المربوب ، والتربية تكمل للمربوب إما بظهور صورة الرب في مرآة المربوب ، أو ظهور صورة المربوب في مرآة الرب ( لمن سأل عن الحد الذاتي ) ، أي : الحد الذي بشأنه الاشتمال هي الذاتيات ( عين إضافته ) بإقامتها مقامه ( إلى ما ظهر الرب به من صور العالم ) ، أي : صور وجوده الظاهرة في مرآة العالم ، وهو قوله : رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ، فظهر الرب فيهم بصور المحدثات الكائنة الفاسدة التي بحدوثها أظهر ، والحادث لا وجود له بذاته ، فهو من الحق ، فقد ظهر فيه الحق ظهورا واضحا ، لكنه يختفي غاية الخفاء بظهور حدوثها ، فيصير باعتبار ظهوره فيها باطنيا ، ( وما ظهر فيه من صور العالم ) ، أي : إضافته بأي شيء ظهر ذلك الشيء في مرآة الحق من صور العالم هو قوله : رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ، فإنهما من حيث رؤية استمرارهما مدة مديدة غير كائنة ولا فاسدة توهم